أبو حامد الغزالي

162

تهافت الفلاسفة

الأول محتاجا إلى هذه الصفات ، فلا يكون غنيا مطلقا ، إذ الغنى المطلق من لا يحتاج إلى غير ذاته . وهذا كلام لفظي في غاية الركاكة ، فإن صفات الكمال لا تباين ذات الكامل ، حتى يقال : إنه محتاج إلى غيره ، فإذا كان لم يزل ولا يزال كاملا بالعلم والقدرة والحياة ، فكيف يكون محتاجا ؟ ! . أو كيف يجوز أن يعبر عن ملازمة الكمال بالحاجة ، وهو كقول القائل : الكامل من لا يحتاج إلى كمال ، فالمحتاج إلى وجود صفات الكمال لذاته ، ناقص ، فيقال : لا معنى لكونه كاملا إلا وجود الكمال لذاته ، فكذلك لا معنى لكونه غنيا ، إلا وجود الصفات المنافية للحاجة ، لذاته ، فكيف تنكرون صفات الكمال التي بها تتم الإلهية بمثل هذه التخيلات اللفظية . فإن قيل : إذا أثبتم ذاتا وصفة ، وحلولا للصفة بالذات ، فهو تركيب ، وكل تركيب يحتاج إلى مركّب ، ولذلك لم يجز أن يكون الأول جسما لأنه مركّب . قلنا : قول القائل : كل تركيب يحتاج إلى مركّب ، كقوله كل موجود يحتاج إلى موجد ، فيقال له : الأول موجود قديم لا علة له ولا موجد ، فكذلك يقال : هو موصوف قديم ، ولا علة لذاته ، ولا لصفاته ، ولا لقيام صفته بذاته ، بل الكل قديم بلا علة ، وأما الجسم فإنما لم يجز أن يكون هو الأول ، لأنه حادث ، من حيث إنه لا يخلو عن الحوادث ، ومن لم يثبت له حدوث الجسم يلزمه أن يجوز أن تكون العلة الأولى جسما ، كما سنلزمه لكم « 1 » من بعد . وكل مسلكهم في هذه المسألة تخييلات . ثم إنهم لا يقدرون على رد جميع ما يثبتونه ، إلى نفس الذات ، فإنهم أثبتوا « كونه عالما » ويلزمهم أن يكون ذلك زائدا على مجرد الوجود ، فيقال لهم : أتسلمون أن الأول يعلم غير ذاته ؟ ! ، فمنهم من يسلم ذلك ، ومنهم من قال لا يعلم إلا ذاته .

--> ( 1 ) في الأصول « عليكم » .